محمد هادي معرفة

34

التمهيد في علوم القرآن

تصحّ نسبة العرفان إليه تعالى ولم يأت في القرآن أيضا . فلا يقال : عرف اللّه كذا ، إذ لم يكن يجهله قط . و « علم » قد يتعدّى إلى مفعول واحد : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ « 1 » كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ « 2 » . فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ « 3 » . وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ « 4 » . وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ « 5 » إلى غيرهنّ من آيات . فيكون بمعنى عرف في غير ما نسبته إلى اللّه سبحانه إلّا مجازا وتشبيها نعم إذا تعلّق العلم بنسبة قائمة بين المسند والمسند إليه فحينذاك يقتضي مفعولين لذلك ، وهو أمر تقتضيه طبيعة الحال وقال أبو هلال العسكري : المعرفة أخصّ من العلم ، لأنّها علم بعين الشيء مفصّلا عمّا سواه ، والعلم يكون مجملا ومفصّلا . فكل معرفة علم وليس كل علم معرفة ، وذلك أنّ لفظ المعرفة يفيد تمييز المعلوم من غيره ، ولفظ العلم لا يفيد ذلك إلّا بضرب آخر من التخصيص في ذكر المعلوم . والشاهد قول أهل اللغة : إنّ العلم يتعدّى إلى مفعولين ، ليس لك الاقتصار على أحدهما إلّا أن تكون بمعنى المعرفة ، كقوله تعالى : لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ « 6 » . أي لا تعرفونهم اللّه يعرفهم . وإنما كان كذلك لأنّ لفظ العلم مبهم ، فإذا قلت : علمت زيدا ، فذكرته باسمه الذي يعرفه به المخاطب لم يفد ، فإذا قلت : قائما ، أفدت لأنّك دللت بذلك على أنك علمت زيدا على صفة جاز أن لا تعلمه عليها مع علمك به في الجملة . وإذا قلت : عرفت زيدا ، أفدت لأنه بمنزلة قولك علمته متميّزا من غيره ، فاستغنى عن قولك متميّزا من غيره لما في لفظ المعرفة من الدلالة على ذلك . والفرق بين العلم والمعرفة إنما يتبيّن في الموضع الذي يكون فيه جملة غير

--> ( 1 ) البقرة : 60 . ( 2 ) النور : 41 . ( 3 ) الفتح : 18 . ( 4 ) ص : 88 . ( 5 ) التوبة : 101 . ( 6 ) الأنفال : 60 .